السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

131

مفاتيح الأصول

عن العهدة وليس ذلك إلَّا لعدم شرطية القربة فيها وإن وجبت ولو كان الأمر دالا عليها لما جاز له ذلك ولا لزموه بالأمر وبالجملة لا شبهة في أن الأصل المقرّر عند الأصحاب عدم اشتراط قصد القربة في الامتثال بل يظهر منهم عدم اشتراطه بقصد الفعل ونيته وأن الأصل حصوله بمجرد إيقاعه ولو سهوا وغفلة لأنهم استدلوا على اشتراط العبادات به بنحو قوله عليه السلام لا عمل إلَّا بنيّة ولو كان الأمر دالا على الشّرطية لكان الاستدلال به لغوا ولهذا استدلّ أبو حنيفة في عدم إيجابه القصد والنّية في الوضوء بإطلاق الأمر فقال علي ما في المنتهى أنه أمر بالغسل ويقتضي الأمر بالإجزاء بفعل المأمور به انتهى والحجة في هذا الأصل أن الأمر قد تعلق بإيجاد ماهيّة الفعل في الخارج ودلّ على أن المصلحة محصل بنفسها من غير اشتراط القصد وقد حصلت في حالة الغفلة فلا بدّ من الإجزاء لأنّ الإتيان بالمأمور به أي ما تعلَّق به الأمر وما فيه المصلحة يقتضي الإجزاء ولذا يحكم به فيما إذا خلص الغريق والحريق وغسل الثوب وأتى العبد بمطلوب سيده سهوا وغفلة والإيجاب لا يستلزم اشتراط القصد إذ غايته أنّه لو ترك عمدا لكان معاقبا لا أنّه لو أتى به غفلة يكون غير ممتثل وبالجملة ليس في تعلَّق الأمر بشيء وإيجابه دلالة على وجوب القصد إليه وشرطيّته حتّى أنّه لو أتى به غفلة لم يكن خارجا عن عهدة التّكليف لا عقلا ولا لفظا نعم ذلك شرط في استحقاق الثّواب على العمل عقلا ولكن الكلام ليس فيه بل في الإجزاء وسقوط التعبّد وهو يحصل بنفس الإتيان بالمأمور به مطلقا فإذن مقتضى الأصل المستند إلى إطلاق الأمر عدم وجوب النّيّة والقصد فمدعى وجوبه يحتاج إلى دلالة لا يقال قد ثبت باليقين أن الغافل غير مكلَّف فلا يتوجه إليه الأمر حين الغفلة فما صدر عنه ليس بمطلوب فلا إجزاء لأنا نقول إن القدر المتيقن عدم توجّه الخطاب إلى الغافل ابتداء وأنه إذا تركه حال الغفلة لا يستحق العقاب وأمّا إذا توجّه إليه حين العلم والشعور وأتى بالمطلوب حال الغفلة كان مجزيا ولا دليل على عدم الإجزاء حينئذ وقد يقال لا نسلَّم تعلق الأمر بماهيّة الفعل مطلقا ودلالته على حصول المصلحة بها بل الظاهر تعلَّقه بالفعل الصّادر عن الإرادة ودلالته على حصول المصلحة فيه لأن الإطلاق ينصرف إليه لأن الغالب على الأفعال صدورها عن إرادة فإذن الأصل عدم حصول البراءة والخروج عن العهدة بوقوع الفعل الخالي عن الإرادة ولزوم اشتراط النيّة في كل مأمور به إلَّا ما خرج بالدّليل ويعضده عموم ما دلّ على عدم صحّة العمل بدون النّية نحو قوله صلى الله عليه وآله إنّما الأعمال بالنيّات المدعى تواتره وقول زين العابدين عليه السلام لا عمل إلَّا بنيّة المرويّ في الحسن كالصحيح لأن نفي الماهيّة غير ممكن فالمراد نفي الصّحة لأنه أقرب المجازات ولأن أكثر الأصحاب فهموا منه ذلك وتأمّل بعض متأخري المتأخرين كالمحقق الخونساري والفاضل الخراساني في تعين إرادة ذلك دون إرادة نفي الكمال غير قادح قطعا ويعضده أيضا قوله تعالى أطيعوا اللَّه الدّال على لزوم الإطاعة في كل ما أمر به لأنه تعالى لم يقيده بشيء خاص وقد تقرر أن حذف متعلقات الفعل يفيد العموم والإطاعة لا تحصل إلَّا مع قصد الفعل وقصد كونه للَّه تعالى فمنه يمكن دعوى أصالة وجوب قصد القربة في كلّ مأمور به كما يمكن من قوله تعالى وما أمروا إلَّا ليعبدوا اللَّه مخلصين له الدّين الدال على حصر الأمر في العبادة وهو وإن كان مختصّا بأهل الكتاب إلَّا أن قوله تعالى بعده وذلك دين القيمة يدلّ على اشتراكنا معهم في ذلك لأن القيّمة عبارة عن المستمرة إلى جهة الصّواب كما عن المفسّرين فلا يصحّ النسخ كما ذكره الشهيد الثاني وكذلك يمكن من قوله تعالى واعبدوا اللَّه مخلصين ومعلوم أن العبادة لا تحصل إلَّا بالقصد المزبور ويعضد ذلك فيما إذا لم يكن الأمر بشيء لأجل كونه شرطا كالأمر بإزالة النجاسة أو لحكمة ظاهرة كالأمر بردّ الوديعة أن الظاهر منه إرادة إيقاع المأمور به على وجه العبادة المستلزم لقصد القربة وقد أشار إلى هذا في المنتهى في مقام الاستدلال على وجوب النّيّة في الوضوء قائلا إن العبادة هي فعل المأمور به شرعا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي والوضوء كذلك فإنه مراد شرعا ليس مما يطرد به العرف ولا يقتضيه العقل لانتفاء المصلحة الناجزة ويعضده أيضا فيما إذا كان المأمور به منقسما إلى واجب وندب ما ذكره في المنتهى من أن كلّ منقسم إليهما عبادة ويعضده أيضا فيما إذا كان المأمور به وسيلة لعبادة ما ذكره ابن جمهور من أن كل ما هو وسيلة العبادة عبادة وقد يناقش في الجميع أمّا في الأول فبأن الغالب فيما تعلق به الأوامر الشرعية عدم الاشتراط بالقصد وتحقق الامتثال بمجرد وقوع الفعل فيلحق موضع الشّك به فتأمل وأمّا في الثاني فبأن الحمل على نفي الصّحة يستلزم خروج أكثر أفراد العام ولا كذلك الحمل على نفي الكمال فيكون أولى وأمّا في الثالث فبالمنع من إفادته العموم سلمنا ولكن يحتمل كون الأمر بالإطاعة للاستحباب لأنه لو كان للوجوب للزم تخصيص كثير من الأفراد سلمنا ولكن وجوب إيقاعه طاعة لا يقتضي اشتراطه بحيث